سويسرا في زمن الأمطار الطوفانية والجفاف المتفاقم
تبقى الكمية الإجمالية للمياه على الأرض مستقرة، لكن تغيّر المناخ يعيد توزيعها بصورة غير متوازنة. ونتيجة لذلك، تعاني بعض المناطق من تفاقم شح المياه، فيما تواجه مناطق أخرى فيضانات متزايدة، ما يغذي التوترات الجيوسياسية حول الموارد المائية. وسويسرا ليست بمنأى عن هذه التحولات.
في سويسرا، يبدو الحصول على مياه الشرب بمجرد فتح الصنبور أمرًا بديهيًا بالنسبة إلى الغالبية. لكن ليس الوصول إلى المياه مضمونًا لملايين الأشخاص حول العالم.
وتزداد ندرة المياه العذبة في العديد من المناطق. فوفق تقرير رابط خارجينشرته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في سبتمبر، انخفضت مستويات الأنهار عامَ 2025 إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة عقود. ولا تشمل هذه الأرقام صيف عام 2026، الذي شهد حرارة وجفافًا شديدين في أوروبا.
لكن لا تتناقص كمّية المياه على الأرض، بل تواصل دورتها بين المحيطات، والتربة، والمياه الجوفية، والبحيرات، والأنهار، والأنهار الجليدية.
وكما قال الكيميائي الفرنسي، أنطوان لافوازييه: ”لا تفنى المادة ولا تُستحدث من العدم، وإنما تتحول من شكل إلى آخر“. وفي حديث إلى قناة الإذاعة والتلفزيون السويسرية العمومية (RTS)، يؤكّد تيبو داتري انطباق هذا المبدأ على المياه أيضًا.
ما الذي يتغير في توزيع المياه؟
يوضح داتري، مدير الأبحاث في مجال الهيدرولوجيا البيئية في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية والغذائية والبيئية، أن التغير الأساسي لا يتعلق بكمية المياه، بل بمكان وجودها.
ويقول: ”منذ نشأة الأرض، لم تتغير كمية المياه. ما تغير هو توزيعها بين مختلف الخزانات: المياه السطحية والجوفية، والمياه العذبة والمالحة“. ومع ذوبان الأنهار الجليدية والأغطية الجليدية القطبية، تتدفق كميات أكبر من المياه العذبة إلى المحيطات. ويضيف: ”تزداد كمية المياه المالحة، فيما نفقد جزءًا من المياه العذبة“.
وتواصل مياه المحيطات التبخّر ضمن دورة المياه. فتتشكّل السحب، قبل عودة مياهها إلى اليابسة في صورة أمطار أو ثلوج. لكن لا توزّع الرياح والتيارات الجوية، هذه الرطوبة على مختلف مناطق العالم بالتساوي.
فمثلًا، شهدت إفريقيا عام 2025 عامًا شديد الجفاف، لكنها تعرضت في الوقت نفسه لفيضانات واسعة، بحسب تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
لطالما ارتبطت منطقة الساحل بالجفاف والمجاعة، لكنها تشهد منذ عقود عودة تدريجية للمياه. فمنذ تسعينات القرن الماضي، ازدادت كميات الأمطار، وارتفعت مستويات المياه الجوفية. ولكنّ هذا التحول جلب معه مزيدَ الفيضانات، وتحديات جديدة للزراعة أيضًا.
وجزئيًا، يُعزى ذلك إلى تجدّّد قوة الرياح الموسميّة في غرب إفريقيا. كما أسهم تراجع الجسيمات الملوِّثة، الناتجة عن حرق الفحم، التي تحجب جزءًا من أشعة الشمس، في ارتفاع حرارة شمال المحيط الأطلسي. وهو ما سمح بوصول كميات رطوبة أكبر إلى مناطق أعمق داخل الساحل.
وتؤدّي التغيّرات في استخدام الأراضي دورًا أيضًا. فيقلّل استبدال المراعي بمحاصيل ذات جذور سطحية من عملية التبخّر والنتح، ما يعني بقاء كمّيات مياه أكبر في التربة. لكن قد تتشكّل قشرة ضعيفة النفاذيّة على سطح التربة المكشوفة، فتجري مياه الأمطار فوقها بسرعة بدل التسرّب إلى باطن الأرض، ما يزيد خطر الفيضانات.
لذلك، يتعيّن على منطقة الساحل التكيّف مع هذا الواقع الجديد. فأصبحت الأمطار أشدّ غزارة، لكنّها أيضًا أكثر تقلبًا. فيما تظل فترات الجفاف شائعة. وقد يؤدي ذلك إلى اضطراب مواسم البذر والحصاد. وتوفّر عودة المياه فرصًا جديدة، لكنّها لا تلغي التحديات التي يفرضها تغيّر المناخ.
ويقول داتري: ”لا تتوزّع الرطوبة بالتساوي. لكن في نهاية المطاف، تعود المياه العذبة إلى اليابسة“.
أمطار أكثر تقلبًا
يؤدّي تغيّر المناخ إلى زيادة حدّة هذه التباينات. وتقول بيتينا شيفلي، أستاذة علم الهيدرولوجيا في جامعة برن ورئيسة لجنة الهيدرولوجيا في الأكاديمية السويسرية للعلوم: ”سُجّلت السنوات الأكثر تطرفًا جميعها خلال العشرين عامًا الماضية“.
وبحسبها، يُرجّح ازدياد هذا الاتّجاه حدّة. وتوضح: ”نعرف أنّ المناطق الجافّة مرشَّحة أصلًا لأن تصبح أكثر جفافًا. أما مناطق أخرى، مثل سويسرا، فقد لا تشهد تغيُّرًا كبيرًا في إجمالي كمّية الأمطار السنوية“.
لكن تكمن المشكلة في كيفيّة توزيع هذه الأمطار على مدار السنة. ويقول داتري: ”إذا جازت لي المبالغة قليلًا، تتّجه فرنسا وسويسرا نحو نظام يشبه مناخ الرياح الموسمية؛ ستّة أشهر ممطرة، وستّة أشهر جافّة“.
المزيد
دراسة: السيناريو المناخي الأسوأ في سويسرا بات أكثر ترجيحًا
ولا تعني الأمطار الغزيرة، والفيضانات، بالضرورة تجدّد احتياطيات المياه. ففي سويسرا وفرنسا، كانت مستويات المياه الجوفية، وتدفّقات الأنهار لا تزال مرتفعة في منتصف مايو. لكن بعد أسابيع قليلة فقط، أصبحت الأوضاع استثنائيّة، بحسب داتري.
حتى سويسرا باتت تتفاوض حول المياه
ولا يقتصر أثر تغيّر توزيع المياه على البيئة، بل يمتدّ إلى الزراعة والصناعة، ويتحوّل على نحو متزايد إلى مصدر للتوترات الجيوسياسية، والنزاعات حول المياه. فبين الهند وباكستان خلافات مستمرة منذ سنوات بشأن إدارة السدود والقنوات. كما يستمر الخلاف بين إثيوبيا ومصر حول مياه النيل بعد بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تعتبره القاهرة تهديدًا محتملًا لأمنها المائي.
وبدورها، ليست سويسرا بعيدة عن هذه التحدّيات. ومن الأسئلة المتكرّرة في هذا السياق: هل ينبغي لسويسرا السماح بتدفق كميات أكبر من المياه إلى إيطاليا لري وادي بو (Po Valley)؟
وتقول شيفلي: ”لم نعتد القلق بشأن الإدارة المنسّقة للمياه. لكننا الآن، نرى نزاعات جديدة لم تكن موجودة من قبل. وحتى قبل خمس أو ستّ سنوات، كان الاعتقاد السائد أنّ لدينا ما يكفي من المياه للجميع. وفجأة، أصبح علينا التفاوُض بشأنها“.
وتواجه فرنسا مخاوف مشابهة. فبحسب داتري، قد يتراجع تدفّق نهر الرون بنسبة 25% بحلول عام 2050. وتعتمد عدّة محطّات نووية فرنسية على مياهه في عمليات التبريد.
ويخلص إلى القول: ”باتت المياه قضية سياسية بالفعل“.
المزيد
التداعيات العالمية لانحسار الأنهار الجليدية في سويسرا
ترجمة عن الإنجليزية. مراجعة وتدقيق: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
شاهد المزيد من مقالات Swissinfo في نتائج بحث Google. اعرف المزيد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.