إيران وسويسرا: علاقة ذات طبيعة خاصة
تواجه إيران احتجاجات مواطنيها ومواطناتها بعنف مميت، إلا أن المجتمع المدني يواصل كفاحه. وقد وضعت هذه الثورة دور سويسرا المميز في بؤرة الاهتمام.
تمتد الاحتجاجات في أكثر من مائتي مدينة إيرانية، حيث يهتف المتظاهرون “الموت للديكتاتور!”. إنه نفس الشعار والهتافات التي أسقطت نظام الشاه عام 1979. ولكن هل تستطيع هذه الاحتجاجات زعزعة هذا نظام الملالي الحالي؟ وإلى أي مدى يمكنها ذلك؟ تظل الإجابة على هذه الأسئلة غير مؤكدة.
ويصب تغيير هذا النظام في مصلحة سويسرا أيضا، على حد قول كيجان إصفهانجيزي، أستاذ التاريخ بجامعة زيورخ. فحينئذ سوف تتاح لسويسرا “إمكانات هائلة”. فالسوق الإيرانية ستصبح مفتوحة ـ وستكون سويسرا قد اتخذت موقعها هناك بالفعل.
أهداف سويسرا لم تتحقق
تعد سوق إيران ستة وثمانين مليون إنساناً متعلماً تعليماً جيداً، وكذلك ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي في العالم، وخزينة حكومية ممتلئة بأموال النفط. فحينما بادرت سويسرا عام 1979 بالتباحث مع نظام الملالي لعقد اتفاقية إثر اتفاقية، كان يحدوها دائماً الأمل في أن تزدهر تلك الصفقات يوماً ما.
إلا أن الحصاد لم يأتِ أبداً، بسبب العقوبات التي فُرضت على إيران.
لقد أتت العقوبات أولاً عام 1995 من الولايات المتحدة الأمريكية، تلتها عقوبات أخرى من الأمم المتحدة عام 2006، لاحقاً انضم إليها أيضاً الاتحاد الأوروبي. حتى أن فيليب فيلتي، السفير السويسري السابق في طهران، يصف شلال العقوبات بأنه “الحدث السائد” في تاريخ العلاقات بين البلدين. ويعمل السيد فيلتي حالياً رئيساً للغرفة الاقتصادية السويسرية الإيرانية.
من أين أتت إذن هذه العلاقة وثيقة الصلة بين سويسرا وهذا النظام الذي يمثل قيماً غير تلك التي يتبناها هذا البلد الذي تشقه جبال الألب؟
بعد سقوط شاه إيران عام 1979 ترسخ هناك نظام حكم ثيوقراطي. وحالياً يتولى الحكم الرئيس إبراهيم رئيسي الذي يوصف بالتطرف الديني. ويشرف على حكمه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، والذي يحتل هذا المنصب منذ 33 عاماً. يُعاونه مجلس رقابي إسلامي يعرف باسم مجلس صيانة الدستور، والذي يتولى مهمة الإشراف على عمل البرلمان. إذن فهو جهاز قمعي يعمل على بسط السيطرة على هذه الدولة التي تُعَرِّف نفسها بوصفها “دولة إسلامية ربانية”.
وبالفعل كانت الأجهزة الأمنية كالحرس الثوري، وشرطة الآداب، وشرطة الأمن قادرة حتى عام 2022 على كبح ثورة الغضب الشعبي. فإيران تحتل المرتبة رقم 150 من بين 180 دولة على مؤشر الفسادرابط خارجي الخاص بمؤسسة الشفافية الدولية. كما أن هذا البلد يأتي في موقع متأخر للغاية على مؤشر الديمقراطيةرابط خارجي: حيث يحتل المرتبة رقم 154 من بين 167 دولة.
من ناحية أخرى تسعى إيران إلى تصنيع أسلحة نووية، بهدف القضاء على إسرائيل. كما أنها تدخلت عسكرياً في كل من العراق ولبنان واليمن. وقد مكنت الديكتاتور بشار الأسد من سفك الدماء في سوريا ودعمته في ذلك، وهو ما نجم عنه إزهاق أرواح نصف مليون إنسان، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.
وحالياً تصدر إيران طائرات مسيرة إلى روسيا، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على مصنعي المسيرات الإيرانية. وقد انضمت سويسرا مطلع شهر نوفمبر الجاري إلى هذه العقوبات.
أعمال عنف جديدة، وعقوبات جديدة
في ذات الوقت يزداد العنف الذي تمارسه إيران ضد سكانها المدنيين باضطراد. فقد أبلغ المعارضون عن أكثر من 450 حالة وفاة خلال خمسة وأربعين يوماً ـ من بينها 300 حالة وفاة مؤكدة ـ وأكثر من 25000 اعتقالاً. ويتعرض المعتقلون للتعذيب والعنف الجنسي والتعسف.
وقد أسفرت هذه الموجة الجديدة من العنف عن فرض الاتحاد الأوروبي لعقوبات جديدة على إيران. وهذه العقوبات موجهة بالأساس ضد قادة شرطة الآداب. كما يطالب بعض الساسة في سويسرا بلادهم باتخاذ إجراءات مماثلة. إلا أن الحكومة السويسرية قد أعربت رسمياً من خلال تغريدة نشرتها على تويتر عن عدم انخراطها في ذلك. من جانبه صرح السفير السابق فيليب فيلتي قائلاً: “سوف يكون أمراً مفاجئاً بالنسبة لي إذا لم يكن لسويسرا حضوراً متوافقاً مع قيمنا، حيال هذه الأحداث.” إلا أنها تقوم بهذا من خلال حوار مباشر مع السلطات المعنية، أكثر مما تفعله أمام الرأي العام، على حد قوله.
Stellungnahme der #Schweizرابط خارجي zu den Protesten in #Iranرابط خارجي pic.twitter.com/E7nK90gBuqرابط خارجي
— EDA – DFAE (@EDA_DFAE) October 5, 2022رابط خارجي
إن تعامل سويسرا مع إيران كان يسير دائماً على محورين: التجارة هنا، والمهام الدبلوماسية الخاصة هناك. فالتجارة كانت هي الهدف الأساسي. ولكن ربط المسارين معاً هو وحده ما حقق لسويسرا دائماً تحالفاً أوثق مع طهران.
Focus of my meeting with Iranian President Ebrahim Raisi: bilateral relations, Switzerland‘s protective power mandate & preserving the Iran nuclear deal #JCPOAرابط خارجي. I also expressed my concerns over the death of #MahsaAminiرابط خارجي & for the respect of #HumanRightsرابط خارجي pic.twitter.com/CoRHqAYBfuرابط خارجي
— Ignazio Cassis (@ignaziocassis) September 21, 2022رابط خارجي
ذلك لأنه كلما غامر النظام الحاكم هناك بتعميق عزلته الدولية، كلما أصبح الدور السويسري أكثر أهمية، وذلك ليس فقط بالنسبة لطهران، بل أيضاً بالنسبة للغرب الذي أدار ظهره لإيران، بينما ظلت سويسرا ثابتة على موقفها، ومدت الجسور، وتولت مهمة ساعي البريد. وهذا الدور الخاص تحديداً هو ما أعطى شرعية للصداقة مع تلك الدولة المنبوذة، دون أن تصبح سويسرا بدورها مهددة دولياً بالإقصاء.
تحقيق التغيير من خلال التجارة
علاوةً على أن دور سويسرا المميز كان مبرراً لها أمام الرأي العام المحلي. فكما الحال في علاقتها مع الصين أو روسيا، فقد اتبعت سويسرا مع إيران مبدأ “التغيير من خلال التجارة”. فكان عليها أولاً إيجاد سبيل للدخول إلى إيران، حتى يمكنها الحديث عن حقوق الإنسان. هكذا كان رد وزير الخارجية السويسري مع كل مرة تتعالى فيها أصوات محلية بالتنديد.
ونشير في هذا السياق إلى حصول سويسرا على أول تفويض بحماية المصالح الإيرانية عام 1979، حينما تولت تمثيل مصالحها في مصر.
بعدها انضمت الولايات المتحدة الأمريكية التي منحت تفويضاً لسويسرا عام 1980. وقد كان هذا الحدث “درة تاج” التفويض السويسري لحماية المصالح، مثلما تردد آنذاك في الدوائر الدبلوماسية. وفي عام 2017 عهدت السعودية بتفويض مزدوج لسويسرا، وتبعتها كذلك كندا عام 2019. بهذا يعود الفضل لإيران في تفويض خمس دول لسويسرا لتمثيل مصالحها هناك، وذلك من أصل سبعة دول تمثلها سويسرا.
وتعتبر هذه التفويضات المتبقية ذات أهمية خاصة بالنسبة لسويسرا، التي كانت تمثل 200 دولة أثناء الحرب العالمية الثانية. “إن من صميم مصلحة سويسرا عدم فقدان هذه التفويضات بحماية المصالح”، يؤكد السيد فيليب فيلتي.
المزيد
هل تحتاج وسيطا دبلوماسيا؟ سويسرا مستعدّة للقيام بهذا الدور!
ثمار الصداقة
بفضل حيادها تقدم سويسرا خدماتها كساعي بريد منذ 150 عاماً لتلك الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع دول أخرى نتيجة لوجود بعض النزاعات بينها. “لا توجد دولة تتمتع بخبرة أكبر في هذا المجال”، يوضح السيد فيلتي الذي أشرف على التفويض الأمريكي في طهران إبان عمله هناك. ولكن ماذا عن مكسب سويسرا من ذلك؟ إن هذه التفويضات بحماية المصالح تمكن هذا البلد الصغير من بناء علاقة مميزة مع اللاعبين الأساسيين في تاريخ العالم وتمنحه ثقلاً على المسرح الدولي.
وكذلك تستفيد إيران. فهذه الصداقة مع الدولة الصغيرة التي تحظى بالاحترام تُعطي لنظام الملالي قدراً من التطبيع على المستوى الدولي، كما يسرهم التباهي به بنفس القدر.
H.E. Mr. Ignazio Cassis @ignaziocassisرابط خارجي, the honorable President of the Swiss Confederation, has sent a congratulatory letter on the occasion of the Iranian National Day, to H.E. Dr. Seyed Ebrahim Raisi, the honorable President of the Islamic Republic of Iran. #IRI43رابط خارجي pic.twitter.com/AN0uSXGBuLرابط خارجي
— IRANinSWITZERLAND (@IraninBern) February 11, 2022رابط خارجي
فضلاً عن ذلك، فإن سويسرا تساعد إيران بصورة فعَّالة في الدخول إلى النسيج الدولي. حيث تساهم بناءً على طلب من طهران في الدعاية لها لأجل ضمها إلى منظمة التجارة الدولية. ذلك لأن هذا البلد الغني بالمواد الخام يحاول جاهداً اللحاق بالاقتصاد الدولي. وقد انهارت عملته. كما أن التضخم بلغ 50%.
جدير بالذكر أن هذه الرعاية التي توليها سويسرا لإيران فيما يتعلق بمنظمة التجارة الدولية قد وثِقت عام 2016 في “خارطة طريقرابط خارجي تهدف إلى تعميق أكبر للعلاقات بينهما”. حيث يشمل هذا البيان ثلاثة عشر مادة، تمتد من السياسة والاقتصاد، مروراً بالأمن النووي والبيئة، وانتهاءً بالزراعة والقانون.
وتتناول المادة العاشرة حقوق الإنسان. لكن تلك الفقرة تظل غير محددة. إذ يُذكر فيها: “يعلن الطرفان عن عزمهما على استئناف الحوار بشأن المسائل الهامة المتعلقة بحقوق الإنسان”، كما أن المسؤولين عليهم التباحث أولاً حول سبل إجراء هذا الحوار.
من المعروف أن سويسرا تتناول بصورة منتظمة حقوق المرأة وحرية الرأي وتمسك إيران بعقوبة الإعدام، خاصة حينما تمس هذه الأمور الشباب. وبالفعل تقوم إيران سنوياً بإعدام المئات من مواطنيها رجالاً ونساءً، وأغلبهم عن طريق الشنق، ومن بينهم دائماً شباب دون سن الرشد.
من جانبه شدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2018 على سبل التعامل مع طهران. وقد أراد وقتها تركيع نظام الملالي. حيث وضع الخيار إما أن تكون التجارة مع إيران، أو مع الولايات المتحدة الأمريكية وليس الإثنيْن في نفس الوقت ، هكذا جاء إعلان ترامب.
وقد كان أبلغ أثراً من العقوبات: فلم يجرؤ أي بنك بعدها على تسجيل فرنكاً واحداً في سجلاته قد يكون مصدره إيران. ولم تكن أغلب الشركات السويسرية لتفسد علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية.
رداً على ذلك، قامت سويسرا استناداً لتراثها الإنساني بعقد “اتفاقية تجارة إنسانية سويسرية”. وتتيح هذه الاتفاقية منذ عام 2020 مجالاً للتجارة مع إيران في بعض المجالات المحدودة مثل الطب والمواد الغذائية من الولايات المتحدة الأمريكية. وتشارك فيها شركات مثل نستله، ونوفارتيس، وروش، وسينغينتا. ولكن حتى هنا توالت الإحباطات. فلأجل السماح بالتجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية يتوجب إرسال تفاصيل التعاقدات إلى أمريكا. والقليل فقط هم المستعدون للقيام بذلك.
Malgré les sanctions économiques, les entreprises suisses continuent d'investir en Iran. Merci aussi au canal humanitaire pour le paiement d’aliments et des médicaments en Iran. pic.twitter.com/YDguWJccLVرابط خارجي
— EDA – DFAE (@EDA_DFAE) September 6, 2020رابط خارجي
بهذا لم تستفد سويسرا بالكثير من التزامها المثير للجدل نحو طهران. إلا أن إيران تتمتع بحصول موظفيها الراغبين في السفر إلى جنيف، على تأشيرات سفر غير معقدة ومريحة للغاية إلى سويسرا. وهم كُثُر؛ ويعتبر هذا هو المكسب الأكبر، الذي تجنيه إيران من هذه العلاقة الاستثنائية، كما أن الإيرانيين ينظرون بالتأكيد إلى هذا التعاون الذي تسديه لهم سويسرا بكثير من الإيجابية”، على حد قول الدبلوماسي السابق فيليب فيلتي.
في نهاية المطاف، تعتبر جنيف ذات قيمة هائلة بالنسبة لإيران، فهي بوابتها للعالم، بل إنها “بمثابة الأكسجين” لها.
ترجمة: هالة فـرّاج
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.